السيد علي عاشور
70
موسوعة أهل البيت ( ع )
هل ولاية اللّه التكوينية قابلة للتفويض ؟ قدرة اللّه شاملة لتفويض الإرادة وهو ممكن عقلا ، ويدل على الإمكان الحديث القدسي المروي في صفة أهل الجنة : « من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت ، أما بعد فإني أقول للشيء كن فيكون قد جعلتك اليوم تقول للشئ كن فيكون » « 1 » . نعم إنما الكلام في الوقوع وهو الهدف من هذه الدراسة المختصرة . وبدوا نجد أنّ القرآن الكريم يحدثنا عن عدة وقائع تثبت إعطاء اللّه التصرّف الكوني لبعض عباده : قال تعالى لعيسى عليه السّلام : إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي « 2 » . فهذا نص صريح في خلق النبي عيسى عليه السّلام للطيور ، وهو إيجاد بعد عدم ، وتصرف في الكون غير متعارف فهو تفويض في أمر تكويني . وقال تعالى : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ . . . قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ، وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ « 3 » . * * * معنى الإذن الإلهي يتصرّف أولياء اللّه بإذنه تعالى تصرفا موافقا لإرادته ، لأنهم لا يريدون إلّا ما أراد اللّه ، بعد أن أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من جلال اللّه وعظمته بسبب قربهم من اللّه تعالى . وكلما كان العبد قريبا من الحق تعالى كانت إرادته أقرب لإرادة اللّه تعالى ، وموافقة لها ، وكان تصرفه في الكون أشمل وأوسع وكانت مظهريته لولاية اللّه أظهر وأقوى . والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة تؤكد هذا المعنى ، وإن التصرفات التي كانت تصدر عن الأولياء أصحاب القرب من اللّه كانت تصرفات عن إذن اللّه تعالى وتحت سلطانه وقدرته قال تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . وقال امامنا الصادق عليه السّلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » ففي حين أنّ الرسول الأعظم يرمي نسب سبحانه الرمي إليه .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : 93 / 376 ، وشرح دعاء الصباح : 159 ، والانسان الكامل : 62 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 110 . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 112 - 115 .